الحكيم الترمذي
139
غور الأمور
فهاجت منه مياه النور والرحمة والعلم ، وامتدت فاعترف آدم منه بالحكمة والنظر والتدبير بالأخذ إلى ما أشار بالانتهاء عنه ، وكان مرة يأتي على قلبه أن لا ، ومرة أن أدن . فانتهى آدم يشاور في ذلك ، فسبق اللعين إلى القسم بالغرور ، وتصديقا على ما أتى على قلب آدم عن الدنو ، إذ كان ذلك من النفس الباطنة التي هي من موطئ اللعين ، فحرصه عليه وندبه إليه ورد ما أتى على قلبه من الانتهاء ، وذلك أن الذي نهاه عن ذلك كان الحكمة والعلم ، والذي ندبه إلى الأخذ كان من النفس الباطنة موافق اللعين ، وكان سأل ربه أن يعطيه السلطان ليجرى فيه مجر الدم في عروقه ، فأعطاه مالا إذ كان موطؤه في آدم قائما وهو النفس ، إذ سأل ربه المجرى في دعوته ، والسبيل إلى حقه ، وهو أصل خلقه آدم ، إذ جبل في أثر تراب قدمه وموطئه ، فصار ذلك وراثة في ولده ، فهو يجرى منهم مجرى الدم ، ومن ذلك حرّم الدم المسفوح « 1 » لما يجرى اللعين . والدم في مجرى واحد في العروق ، وذلك أن اللعين نجس ، فينجس الدم الطيب في العروق والطيبة بنجاسته بجبريهما جميعا معا في مجرى واحد ، فإذا أراد العين أو بعض أعوانه أن يدنو من بني آدم وجدت النفس الباطنة ريعة فعرفته ، فإذا دنا منهما أحست أثره وعلمت أنه قد دنا ، فرحت وابتهجت ، فأشرأبت شوقا إليه ، إذ لقى بعض العضو وبعض عضو والحب جنه فاهتشت لرؤيته ، وانبشت « 2 » بلقائه ،
--> ( 1 ) الدم المسفوح : قال عكرمة في قوله تعالى ( أو دما مسفوحا ) لولا هذه الآية لتتبع الناس ما في العروق كما تتبعه اليهود . ( 2 ) البش : اللطف في المسألة والإقبال على الرجل والبشاشة : طلاقة الوجه . وفي حديثي على رضى اللّه عنه : إذا اجتمع المسلمان فتذاكرا غفر اللّه لأبشهما بصاحبه .